الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
14
نفحات القرآن
اللَّه ، وذلك بملاحظة الحكومة ودورها الفعّال في تنظيم المجتمع الإنساني والحيلولة دون بروز الظلم والعدوان ، وتوفير الجو الملائم للوصول إلى الكمال الإنساني . ومن ذلك ما ورد عن النبي داود عليه السلام وابنه سليمان عليه السلام : « وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكماً وَعِلْماً » . ( الأنبياء / 79 ) عندما تُعدّ نعم اللَّه الكثيرة على بني إسرائيل تقول : « وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذكُرُوا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُم أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وآتَاكُمْ مَّا لَم يُؤتِ أَحَداً مِّنَ العَالَمِينَ » . ( المائدة / 20 ) وطبعاً لم يكن جميع بني إسرائيل حكاما وملوكاً ، لكن عندما ينتخبوا من بينهم حاكماً وملكاً عليهم فإنّ الخطاب يتوجه إليهم باعتبارهم قوم حباهم اللَّه سبحانه هذه النعمة فانتخب منهم ملوكاً وحكاماً . ويتحدث القرآن الكريم عن لسان النبي سليمان عليه السلام : « قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلكاً لَّا يَنبَغِى لِأَحَدٍ مِّن بَعدِى إِنَّكَ أَنتَ الْوَهّابُ » . ( ص / 35 ) وتُشير الآيات التي تليها إلى أنّ اللَّه سبحانه استجاب دعاءه ووهب له حكومة عظيمة ومواهب كثيرة لا نظير لها ، وجاء في قوله تعالى : « أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَآتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ فَقدْ آتَيْنَا آلَ إِبرَاهِيمَ الكِتابَ وَالحِكمَةَ وَءَآتَيْنَاهُمْ مُّلكاً عَظِيماً » . ( النساء / 54 ) وتكمن أهميّة هذه المسألة في أنّ اللَّه سبحانه يُعِدُّ موهبة الحكم مرادفة للعزّة ويَعتبر فقدانها قرينة للذلّة . يقول سبحانه وتعالى : « قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤتِى المُلْكَ مَن تَشَاءُ وتَنْزِعُ المُلكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ » . ( آل عمران / 26 ) تشير كل الآيات التي ذكرناها إلى أهميّة وجود الحكومة للمجتمعات البشرية من وجهة نظر القرآن الكريم ، وفي الواقع إنّ هذا الآيات نافذة على العالَم الواسع للحكومة في المجتمعات البشرية .